أحمد بن محمود السيواسي
282
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
قيل : إن سارة كانت زوجة إبراهيم عليه السّلام وكانت لها جارية اسمها هاجر ، فوهبتها من إبراهيم ، فلما ولدت منه إسماعيل غارت سارة ، وحلفته أن يخرجهما من الشام فأخرجهما إلى أرض مكة ، ثم جاء بها وبابنها وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلا المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء ووضع عندها جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ، ثم رجع إلى سارة فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم أين تذهب وتركتنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مرارا فلم يلتفت إليها ، فقالت : اللّه أمرك بهذا ؟ قال نعم ، قالت : إذن لا يضيعنا ، ثم رجعت إلى ابنها فانطلق إبراهيم حتى إذا كانت عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهذه الكلمات ورفع يديه فقال : « رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ » إلى قوله « يَشْكُرُونَ » ، وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتأكل التمر وتشرب الماء حتى إذا نفد التمر والماء وعطشت هي وابنها ، فجعل يتلبط فذهبت عنه كراهة أن تنظر إليه فصعدت الصفا تنظر لترى أحدا لم تر أحدا ، ثم نزل أسفل الوادي ورفعت طرف درعها ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى أتت المروة وقامت عليها ونظرت لترى أحدا فلم تر أحدا ، فعلت ذلك سبع مرات ، فلذلك سعى الناس بينهما بعد الطواف سبع مرات ، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بجناحه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه بيدها وتغرف من الماء في سقائها ، وهو تفور بعد ما تغرف ، قال النبي عليه السّلام : « رحم اللّه أم رسمعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت عينا معينا » « 1 » ، فشربت وأرضعت ولدها ، فقال الملك : لا تخافوا الضيعة فان ههنا بيت اللّه يبني هذا الغلام وأبوه وإن اللّه لا يضيع أهله « 2 » . واللام في قوله ( رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) يتعلق بقوله « أَسْكَنْتُ » ، أي ما أسكنت ذريتي عند بيتك المحرم إلا ليتموا فيه الصلاة ، وخصها بالذكر لأنها أفضل العبادات ، ثم قال ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ) أي من أفئدة الناس ، ف « مِنْ » للتبعيض ( تَهْوِي ) أي تميل باشتياق وتسرع ( إِلَيْهِمْ ) أي إلى موضعهم الشريف ، قيل : « لو قال أفئدة الناس لزاحمتهم فارس والروم والترك والهند » « 3 » أو « اليهود والنصارى والمجوس في الحج » « 4 » ، فالمراد المسلمون خاصة ( وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ) أي من الفواكه المختلفة مع سكانهم في هذا الوادي الخلاء من كل مرتفع بأن تجلب إلى مكة من البلاد ، وقيل : هي ما رزقت سكان القرى حولها ذوات الماء « 5 » ( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) [ 37 ] أي لكي يشكروا فيما رزقتهم فاستجيب دعاؤه ، وجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء من البواكير « 6 » المختلفة إلا زمانا الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 38 ] رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 38 ) ثم قال إبراهيم ( رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي ) من الوجد بإسماعيل وهاجر والحب لهما ( وَما نُعْلِنُ ) عند سارة من الصبر عنهما أو ما جرى بيني وبين هاجر من قولها عند الوداع إلى من تكلنا وقولي في جوابها إلى اللّه وقولها عقيبه إذن لا يضيعنا اللّه ( وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) [ 38 ] أي من عمل أهلها فأنت أعلم بأحوالنا فلا حاجة إلى الدعاء والطلب ، وإنما ندعوك إظهارا للعبودية لك وتخشعا لجلالك وتذللا لعزتك ، فافعل بنا ما فيه مصلحتنا فهو كلام إبراهيم عليه السّلام ، وقيل : هو كلام اللّه تعالى تصديقا لإبراهيم « 7 » ، والأول أظهر لقوله بعده .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ، المساقاة ، 10 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 385 . ( 2 ) لعله اختصره من البغوي ، 3 / 384 - 385 ؛ والكشاف ، 3 / 122 . ( 3 ) عن مجاهد ، انظر السمرقندي ، 2 / 209 ؛ والبغوي ، 3 / 385 . ( 4 ) عن سعيد بن جبير ، انظر السمرقندي ، 2 / 209 ؛ والبغوي ، 3 / 385 . ( 5 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 385 . ( 6 ) البواكير ، ب س : الفواكه ، م . ( 7 ) نقله عن السمرقندي ، 2 / 209 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 385 .